فخر الدين الرازي

107

تفسير الرازي

الله تعالى سبباً لحصول ذلك المطلوب ، فلهذا المعنى قال : * ( والله عليم بما يعملون ) * . ثم قال تعالى : * ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) * أما قوله : * ( وشروه ) * ففيه قولان : القول الأول : المراد من الشراء هو البيع ، وعلى هذا التقدير ففي ذلك البائع قولان : القول الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن إخوة يوسف لما طرحوا يوسف في الجب ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره ، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا : هذا عبدنا أبق منا فقالوا لهم : فبيعوه منا فباعوه منهم ، والمراد من قوله : * ( وشروه ) * أي باعوه يقال : شريت الشيء إذا بعته ، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع ، لأن الضمير في قوله : * ( وشروه ) * وفي قوله : * ( وكانوا فيه من الزاهدين ) * عائد إلى شيء واحد لكن الضمير في قوله : * ( وكانوا فيه من الزاهدين ) * عائد إلى الإخوة فكذا في قوله : * ( وشروه ) * يجب أن يكون عائداً إلى الإخوة ، وإذا كان كذلك فهم باعوه فوجب حمل هذا الشراء على البيع . والقول الثاني : أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من البئر ، وقال محمد بن إسحاق : ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة ، وههنا قول آخر وهو أنه يحتمل أن يقال : المراد من الشراء نفس الشراء ، والمعنى أن القوم اشتروه وكانوا فيه من الزاهدين ، لأنهم علموا بقائن الحال أن إخوة يوسف كذابون في قولهم إنه عبدنا وربما عرفوا أيضاً أنه ولد يعقوب فكرهوا شراءه خوفاً من الله تعالى ، ومن ظهور تلك الواقعة ، إلا أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة لأنهم اشتروه بثمن قليل مع أنهم أظهروا من أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين ، وغرضهم أن يتوصلوا بذلك إلى تقليل الثمن ، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الأخوة لما قالوا : إنه عبدنا أبق صار المشتري عديم الرغبة فيه . قال مجاهد : وكانوا يقولون استوثقوا منه لئلا يأبق . ثم اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث . الصفة الأولى : كونه بخساً . قال ابن عباس : يريد حراماً لأن ثمن الحر حرام ، وقال كل بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا فإنه حرام ، قال الواحدي سموا الحرام بخساً لأنه ناقص البركة ، وقال قتادة : بخس ظلم والظلم نقصان يقال ظلمه أي نقصه ، وقال عكرمة والشعبي قليل وقيل : ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً ، وقيل كانت الدراهم زيوفاً ناقصة العيار . قال الواحدي رحمه الله تعالى : وعلى الأقوال كلها ، فالبخس مصدر وضع موضع الاسم ، والمعنى بثمن مبخوس . الصفة الثانية : قوله : * ( دراهم معدودة ) * قيل تعد عداً ولا توزن ، لأنهم كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية ، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل للقليل معدود ، لأن الكثيرة يمتنع من عدها